في قلب قرية وادي الصخر الجبلية، حيث كانت الأمطار تهطل بغزارة على الأسطح الحجرية، سمعت ليلى، صاحبة متجر “كنوز الماضي” للتحف، صوتًا خافتًا قادمًا من الطابق السفلي. كان صوتًا أشبه بأنغام قديمة تتلاشى وتعود، يمزقه هدير الرياح والأمطار.
“ما هذا بحق السماء؟” تمتمت ليلى لنفسها، وهي ترفع رأسها عن كتاب الحسابات القديم. لم يكن الصوت مألوفًا، ولم يكن مجرد صرير للخشب أو تسرب للمياه، بل كان له إيقاع غريب.
“هل هناك أحد بالأسفل؟” سألت بصوت مرتفع، لكن لا إجابة سوى صدى صوتها الخافت في أرجاء المتجر المليء بالقطع الأثرية الصامتة. كانت الساعة تشير إلى قرب موعد الإغلاق، والظلام يزحف بخطوات سريعة.
في تلك اللحظة، انفتح باب المتجر ببطء، دافعًا معه رذاذ المطر البارد، ودخل العم سعيد، الرجل العجوز ذو اللحية البيضاء الذي كان يعرف كل حجر في القرية.
“ليلى، هل أنتِ هنا؟” قال بصوت يرتجف قليلًا من البرد، وعيناه تبحثان بلهفة. “أنا أبحث عن شيء مهم جدًا.”
“أهلًا بك يا عم سعيد، تفضل. ما الذي تبحث عنه في هذا الوقت المتأخر؟” ردت ليلى، وهي تشعر بقلق الرجل.
“قرص غراموفون قديم، يا ابنتي. قرص أزرق اللون، عليه صورة طائر. أقسم أنني تركته هنا منذ سنوات، عندما ساعدتكِ في ترتيب المتجر لأول مرة.” قال العم سعيد، وهو يمسح قطرات المطر عن معطفه.
“قرص أزرق؟” فكرت ليلى. “أتذكر أنني رأيت قرصًا كهذا، لكنني لم أعد أجده. هل أنت متأكد أنه كان هنا؟”
“بالتأكيد! إنه يحمل سرًا، يا ليلى. سرًا لا يمكن أن يضيع. يجب أن أجده الليلة، قبل أن تغلقي.” أصر العم سعيد، وبدا عليه التوتر الشديد.
تزايد الصوت الخافت من الطابق السفلي، وأصبح أكثر وضوحًا، كأنه لحن حزين يعزف من بعيد. نظرت ليلى إلى العم سعيد، ثم إلى باب الدرج المؤدي إلى الأسفل.
“هل تسمع هذا؟” سألت ليلى بصوت خفيض.
“أسمع ماذا؟” قال العم سعيد، الذي يبدو أن سمعه لم يعد حادًا كما كان.
“صوتًا قادمًا من الأسفل. كأنه موسيقى قديمة.”
“موسيقى؟ ربما هو الريح يا ابنتي. لكن القرص، يجب أن أجده!”
شعرت ليلى بأن هناك رابطًا ما. قرص مفقود، وصوت موسيقى قديمة من مكان مهجور. “انتظر هنا يا عم سعيد. سألقي نظرة في الأسفل. ربما سقط القرص هناك.”
أخذت ليلى مصباحًا يدويًا وتوجهت نحو الدرج الخشبي الصدئ. كانت رائحة الغبار والرطوبة تملأ المكان. مع كل خطوة، كان الصوت يزداد وضوحًا، لحنًا هادئًا ومألوفًا بشكل غريب.
“من هناك؟” نادت ليلى، لكن لا إجابة. كانت الغرفة السفلية مليئة بالصناديق القديمة والأثاث المنسي. بدأت تبحث بين الأغراض، وعيناها تلمعان في الظلام، تبحث عن القرص الأزرق.
فجأة، توقف الصوت. ساد صمت مطبق، لم يقطعه سوى صوت قطرات الماء المتسربة من السقف. شعرت ليلى بقشعريرة تسري في جسدها. هل كان مجرد وهم؟
وبينما كانت تدير المصباح، لاحظت شيئًا صغيرًا خلف كومة من الأقمشة القديمة. لم يكن القرص الأزرق، بل كان جهاز غراموفون صغيرًا يعمل بالبطارية، من النوع الذي كان شائعًا للأطفال قبل عقود. كان القرص الأزرق الذي وصفه العم سعيد موضوعًا عليه، لكنه لم يكن يدور. الجهاز نفسه كان مطفأ.
“غريب جدًا.” همست ليلى. لقد وجدت القرص، لكن الصوت لم يكن منه. أين كان مصدر الصوت إذن؟
وبينما كانت تتفحص الغراموفون الصغير، لاحظت شيئًا آخر. بجانبه تمامًا، كان هناك جهاز تسجيل صغير قديم، من تلك التي تعمل بأشرطة الكاسيت. كان زر التشغيل مضغوطًا قليلًا، وكأن أحدهم قد ضغط عليه بالخطأ. أمسكت به، وضغطت على زر التشغيل بقوة. انبعث الصوت فورًا، نفس اللحن القديم، لكن هذه المرة كان واضحًا تمامًا.
“إنه تسجيل!” أدركت ليلى. لم يكن الصوت قادمًا من القرص الأزرق، بل من هذا التسجيل القديم الذي كان يعمل بصمت، ربما بسبب بطارية ضعيفة أو خلل ما، مما جعله يبدو وكأنه يتلاشى ويعود. ربما اهتزت القرية بسبب الرياح القوية أو مرور شاحنة ثقيلة، مما أعاد تشغيله.
صعدت ليلى الدرج وهي تحمل القرص الأزرق وجهاز التسجيل الصغير. كان العم سعيد ينتظرها بفارغ الصبر.
“وجدته يا عم سعيد!” قالت ليلى وهي ترفع القرص. “لكن الصوت…”
نظر العم سعيد إلى القرص بعينين دامعتين. “هذا هو! لحن زوجتي الراحلة. كانت تغنيه لابننا قبل أن ينام.” ثم رأى جهاز التسجيل الصغير في يدها. “أوه، وهذا أيضًا! لقد نسيته هنا منذ زمن طويل. كنت أسجل لها هذا اللحن لتستمع إليه عندما أكون بعيدًا.”
“لكن الصوت كان قادمًا من هذا الجهاز، وليس من القرص.” أوضحت ليلى. “ربما اهتز المتجر، وشغّله بالخطأ.”
ابتسم العم سعيد ابتسامة حزينة. “هذا اللحن… إنه ذكرى عزيزة. لقد ظننت أن القرص هو السر، لكن السر الحقيقي هو هذا التسجيل، وهذا اللحن الذي يربطني بها. لم يُسرق القرص أبدًا، بل كنت أنا من نسيته، ونسيت معه هذا الجهاز الصغير.”
أدركت ليلى أن قوة الملاحظة هي التي كشفت الحقيقة. لم يكن هناك شبح في الطابق السفلي، ولا لص، بل مجرد صدى للماضي، أعادته الصدفة إلى الحياة في ليلة ممطرة، ليجد طريقه إلى صاحبه الحقيقي.
