ترندكلي نيوز | أخبار ساخنة

البيت الذي لا يُرى إلا ليلاً

صورة توضيحية حول البيت الذي لا يُرى إلا ليلاً

عاد فارس إلى مدينة النورس الساحلية بعد غياب سنوات، وكأن أمواج البحر كانت تناديه. لم يكن يعلم ما الذي يدفعه للعودة أكثر: رغبته في إصلاح ما انكسر بينه وبين ليلى، أم ذلك الشغف القديم بالبيت الذي لا يُرى إلا ليلاً.

توقف عند مقهى “الميناء القديم”، حيث وجد عماد، صديق طفولته، يجلس وحيدًا يرتشف قهوته. ابتسم عماد ببرود.

“فارس؟ لم أصدق عيني! عدت أخيرًا؟”

“أجل، عدت. وهناك الكثير لأفعله.”

“ليلى؟” سأل عماد مباشرة.

“ليلى… والبيت.” قال فارس وهو يحدق في الأفق. “هل ما زال الناس يتحدثون عنه؟”

تنهد عماد. “البيت الذي لا يُرى إلا ليلاً؟ أسطورة قديمة يا فارس. لا أحد يصدقها حقًا الآن.”

“لكنني أتذكره.” أصر فارس. “أتذكر أننا كنا نراه، أو على الأقل كنا نعتقد أننا نراه.”

“ذاكرة الطفولة خادعة.” قال عماد. “ليلى لم تتغير كثيرًا، لكنها أصبحت أكثر انعزالًا.”

“أين أجدها؟”

“في منزلها القديم، المطل على البحر. لكنها لا تستقبل أحدًا بسهولة.”

سر البيت والذاكرة المتقلبة

توجه فارس إلى منزل ليلى. طرق الباب، وبعد لحظات فتحت. كانت عيناها تحملان حزنًا قديمًا، لكنها لم تكن مفاجئة لرؤيته.

“فارس؟” همست.

“ليلى. يجب أن نتحدث.”

جلسا في صمت طويل. كان الهواء مشحونًا بكلمات لم تُقال منذ سنوات.

“لماذا عدت الآن؟” سألت ليلى أخيرًا.

“لأصلح ما أفسدته. ولأفهم ما حدث. أتذكر ذلك اليوم، عندما تركتكِ ورحلت…”

“لا داعي لتذكر الماضي.” قاطعت ليلى بحدة.

“لكنني أحتاج أن أتذكر. وأحتاج أن أفهم. هل تتذكرين البيت الذي لا يُرى إلا ليلاً؟”

تغير تعبير ليلى. “البيت؟ ما شأنه؟”

“كان يظهر لنا فقط، أليس كذلك؟ عندما كنا صغارًا، كنا نذهب إلى تلك البقعة على التل، وننتظر حتى يحل الظلام، ثم نراه.”

“كانت مجرد لعبة يا فارس.” قالت ليلى، لكن صوتها كان مهتزًا.

“هل كنتِ ترينه حقًا؟ أم كنتِ تتظاهرين؟”

“ما الفرق؟ لقد رحلت وتركتني وحدي مع أوهامي.”

شعر فارس بوخز في قلبه. “لم تكن أوهامًا بالنسبة لي. كانت حقيقة. أو على الأقل، كانت جزءًا من حقيقتنا.”

غادر فارس منزل ليلى بقلب مثقل. كانت ذاكرته عن البيت قوية، لكن ذاكرة ليلى بدت وكأنها تحاول طمسها. قرر أن يعود إلى التل في تلك الليلة. ربما يجد إجابة هناك.

عندما حل الظلام، صعد فارس التل. كان المكان مهجورًا، لا شيء سوى صمت الليل وصوت الأمواج. انتظر وانتظر، لكن لم يظهر أي بيت. بدأ يشك في ذاكرته. هل كان كل هذا مجرد خيال طفولي؟

بينما كان يستعد للمغادرة، لمح ضوءًا خافتًا قادمًا من كوخ صغير مهجور على حافة التل، لم يلاحظه من قبل. اقترب بحذر. وجد عماد جالسًا بالداخل، يقلب صفحات دفتر قديم.

“عماد؟ ماذا تفعل هنا؟”

رفع عماد رأسه، وعلى وجهه ابتسامة غامضة. “كنت أعلم أنك ستأتي إلى هنا في النهاية.”

“ما هذا الدفتر؟” سأل فارس.

“دفتر قديم. لك ولليلى. وجدته عندما كنت أنظف كوخي القديم.”

مد عماد الدفتر لفارس. كانت صفحاته مليئة برسومات طفولية وكلمات مكتوبة بخط غير متقن. قلب فارس الصفحات حتى توقف عند رسم لبيت صغير يظهر من بين النجوم.

“البيت الذي لا يُرى إلا ليلاً.” همس فارس.

“اقرأ ما كتبته أنت.” قال عماد مشيرًا إلى صفحة.

قرأ فارس بصوت خافت، كلمات كتبها هو نفسه عندما كان طفلًا: “ليلى، لا تخافي من الظلام. سأبني لكِ بيتًا سحريًا لا يراه أحد إلا نحن، وسيظهر فقط عندما تكونين وحيدة في الليل، ليحميكِ ويذكركِ أنكِ لستِ وحدكِ أبدًا.”

صُدم فارس. لم يكن يتذكر كتابة هذا. ذاكرته كانت قد حذفت هذا الجزء. لم يكن البيت أسطورة عامة، بل كان وعدًا منه لليلى، قصة اختلقها ليواسيها في طفولتها عندما كانت تشعر بالوحدة بعد وفاة والدتها.

“لقد نسيت.” قال فارس بصوت متهدج. “نسيت أنني أنا من اخترع القصة.”

“أجل.” قال عماد. “كانت ليلى متمسكة بهذا البيت أكثر منك. كانت تعتقد أنه حقيقي. لقد كانت كلماتك الطيبة هي بيتها.”

أدرك فارس أن ليلى لم تكن تحاول طمس ذاكرته، بل كانت تحاول حماية ذلك الوعد الطفولي الذي كان يعني لها الكثير. لم يكن البيت موجودًا كبناء، بل كرمز للراحة والأمان الذي منحه لها بكلماته.

عاد فارس إلى ليلى في صباح اليوم التالي. هذه المرة، لم يطرق الباب، بل جلس على الشاطئ أمام منزلها، ينتظرها. عندما خرجت، اقترب منها.

“ليلى، تذكرت كل شيء.” قال فارس بهدوء. “البيت الذي لا يُرى إلا ليلاً… كان وعدًا مني لكِ. قصة اختلقتها لأحميكِ من الظلام.”

نظرت إليه ليلى بعينيها الدامعتين. “كنت أتساءل دائمًا لماذا كنت الوحيدة التي تراه.”

“لأنني أردتكِ أن تكوني كذلك. أردت أن يكون لكِ مكان سري خاص بكِ، يظهر عندما تحتاجين إليه.”

“ولكنك رحلت.”

“وأنا آسف على ذلك. لكنني عدت الآن. وعدي لم ينتهِ. البيت الذي لا يُرى إلا ليلاً… هو رمز لكل الكلمات الطيبة التي يجب أن نقولها لبعضنا البعض، حتى لو نسيناها مع مرور الوقت.”

ابتسمت ليلى ابتسامة خافتة، هي الأولى منذ سنوات. “هل ما زلت تراه؟”

“أراه الآن بوضوح أكثر من أي وقت مضى.” قال فارس، وهو ينظر إلى الأفق حيث كانت الشمس تشرق. “أراه في كل كلمة طيبة، وفي كل وعد صادق. إنه ليس بناءً، بل شعور. شعور بالأمان الذي يظهر في أحلك الأوقات.”

أدرك فارس أن البيت لم يكن أبدًا لغزًا ماديًا، بل كان لغزًا عاطفيًا، رمزًا لأثر الكلمة الطيبة التي يمكن أن تبني ملاذًا في قلوب الآخرين، حتى لو كان لا يُرى إلا ليلاً، في أوقات الحاجة والوحدة.

Exit mobile version