قصص قصيرة

همس الصورة القديمة

كانت الأضواء الزرقاء الباردة لشاشات المراقبة هي أول ما استقبل ليلى في صباحها الأول بقسم أنظمة الأمن المتقدمة في مطار الأفق الجديد. لم تكن مجرد مهندسة برمجيات، بل كانت عقلًا مدبرًا قادرًا على فك شفرات الأنظمة المعقدة. لكن ما لم تتوقعه هو أن يومها الأول لن يكون مجرد تعريف بالمهام الروتينية.

“ليلى، أهلاً بكِ في فريقنا،” قال العميد سامي، رئيس القسم، بصوت خشن يعكس إرهاقًا واضحًا. “لكن يبدو أننا سنبدأ مباشرة بالعمل الميداني.”

كانت ملامح العميد سامي متوترة، وعيناه تتجولان بين الشاشات التي تعرض لقطات من بوابة المغادرة رقم 7. “لقد اختفت بوصلة الملاحة الأثرية. تلك القطعة الفريدة من معرض ‘كنوز الأجداد’ التي كان من المفترض أن تغادر اليوم في رحلة خاصة. اختفت من قفص العرض عالي التأمين قبل ساعة.”

شعرت ليلى بضغط الموقف. اختفاء شيء بهذه القيمة من مطار يعتبر حصنًا منيعًا كان أمرًا جللًا. “هل من شهود؟” سألت، محاولة استيعاب التفاصيل بسرعة.

“الحارس فارس كان المناوب الوحيد في تلك المنطقة،” أجاب العميد سامي، وأشار إلى رجل مسن يجلس في زاوية الغرفة، يرتجف قليلًا، وعيناه شاخصتان في الفراغ. “لكنه يرفض الكلام. لا ينطق بكلمة، فقط يهمهم عن ‘ظلال’ و’أشباح’.”

اقتربت ليلى من فارس. كان وجهه شاحبًا، وعيناه تعكسان خوفًا عميقًا. “عمي فارس،” قالت بلطف، “أنا هنا لأساعد. هل رأيت شيئًا؟”

هز فارس رأسه ببطء، ثم تمتم بصوت بالكاد يُسمع: “الظل… الظل أخذها… من الجدار.”

“من الجدار؟” كررت ليلى، محاولة فهم ما يقوله. نظرت إلى شاشات المراقبة. كانت الكاميرات تغطي كل زاوية، ولم تُظهر أي اختراق. “هل هناك أي شيء غير عادي في المنطقة؟” سألت العميد سامي.

“لا شيء. فحصنا كل شيء. الأنظمة سليمة،” أجاب العميد، وبدا عليه اليأس. “ربما هو مجرد حادث سرقة محترف، أو أن فارس متورط.”

رفضت ليلى فكرة تورط فارس. كان الخوف في عينيه حقيقيًا جدًا. وبينما كانت تحاول التفكير بمنطقية، لاحظت شيئًا على مكتب فارس الصغير بجانب لوحة التحكم. كانت صورة قديمة، باهتة الألوان، لمطار الأفق الجديد في بداياته، قبل عقود. التقطتها ليلى بتلقائية. كانت الصورة تعرض بوابة المغادرة رقم 7، لكنها بدت مختلفة قليلًا.

“ما هذه الصورة؟” سألت ليلى.

“آه، هذه من أيام شبابي،” قال فارس بصوت خافت، وكأن الصورة أعادت إليه بعضًا من وعيه. “كنت أعمل هنا منذ أن كان المطار مجرد حلم.”

تأملت ليلى الصورة بعناية. كانت التفاصيل ضبابية، لكن شيئًا ما لفت انتباهها. على الجدار خلف مكان عرض البوصلة الحالي، في الصورة القديمة، كان هناك نتوء صغير، أو ربما لوحة خدمة، لم تعد موجودة في التصميم الحديث. كانت الكاميرات الحديثة لا ترصد سوى الجدار الأملس الحالي.

“العميد سامي، هل يمكنني الحصول على المخططات الهندسية القديمة للمطار؟” سألت ليلى، وهي تشير إلى التفصيل في الصورة. “أعتقد أن هناك شيئًا ما في هذا الجدار.”

نظر العميد سامي إليها بتشكك. “مخططات قديمة؟ ما علاقة هذا بالاختفاء؟ نحن نتعامل مع سرقة، لا مع أعمال ترميم!”

“عمي فارس قال ‘من الجدار’،” أوضحت ليلى. “وهذه الصورة تظهر تفصيلاً لم يعد موجودًا. ربما هناك ممر سري، أو مخبأ قديم، أو حتى عطل في البناء استُخدم بطريقة ما.”

تنهد العميد سامي. “هذا غير منطقي. لكن ليس لدينا ما نخسره.” بعد لحظة تردد، أعطاها الإذن بالوصول إلى الأرشيف الرقمي القديم. كان العميد، رغم تحفظاته، يرى في عيني ليلى إصرارًا وشجاعة أخلاقية تدفعه للبحث عن الحقيقة، حتى لو كانت خارج الصندوق.

أمضت ليلى الساعات التالية غارقة في المخططات القديمة، تقارنها بالصورة. اكتشفت أن التفصيل الصغير في الصورة كان في الواقع بابًا سريًا لغرفة صيانة مهجورة، تم إغلاقها وتغطيتها بالكامل خلال تحديثات المطار قبل عشرين عامًا. كانت الغرفة تقع تمامًا خلف مكان عرض البوصلة.

“لقد وجدتها!” صاحت ليلى، وهي تشير إلى نقطة على المخطط. “هناك غرفة خلف الجدار!”

توجه العميد سامي وفريقه، برفقة ليلى وفارس، إلى بوابة رقم 7. باستخدام أجهزة الكشف عن المعادن، تمكنوا من تحديد مكان الباب المخفي. وبعد جهد، تمكنوا من فتح اللوحة التي كانت تغطي المدخل.

كانت الغرفة صغيرة ومظلمة، تعج بالغبار. في المنتصف، على صندوق خشبي قديم، كانت بوصلة الملاحة الأثرية موضوعة بعناية. لم تكن مسروقة.

نظر الجميع إلى فارس. تنهد الرجل العجوز، وبدأ يتكلم بصوت واضح هذه المرة. “عندما رأيت البوصلة تومض… وتختفي للحظة بسبب عطل في النظام… تذكرت هذه الغرفة. كنت أختبئ فيها عندما كنت طفلًا أعمل هنا مع والدي. ظننت أن أحدهم سيأخذها، فأخفيتها في المكان الوحيد الذي ظننت أنه آمن. لكنني خفت أن أقول شيئًا، خفت أن أُتهم بالسرقة.”

شعر العميد سامي بالخجل من شكوكه الأولية. “عمي فارس، شجاعتك في حماية هذا الكنز تستحق التقدير، حتى لو كانت بطريقتك الخاصة.”

ابتسمت ليلى. لم يكن الأمر سرقة، بل كان فعلًا من الشجاعة، وإن كان محفوفًا بالخوف. لقد أثبتت أن الحقيقة قد تكون أحيانًا مخبأة في أقدم التفاصيل، وأن الثقة في الحدس، وفي الآخرين، يمكن أن تكشف المستور. في أول يوم عمل لها، لم تحل لغزًا فحسب، بل أعادت الثقة إلى رجل، وفتحت عيون العميد سامي على طرق جديدة للتفكير. كان المطار يهمس بأسرار الماضي، وليلى كانت هناك لتستمع.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى