قصص قصيرة

سر ساعة المسرح العتيقة

كان المسرح العتيق يتنفس غبارًا وذكريات. فارس، الطفل ذو السنوات العشر، كان يمرر أصابعه الصغيرة على المقاعد المخملية البالية، وعيناه الواسعتان تلتقطان كل تفصيل. كان يساعد جده عادل، مالك المسرح، في ترتيب المكان استعدادًا لعودة عمه عماد. عماد، المخرج الشهير الذي غاب عن المسرح والأسرة لأكثر من عشرين عامًا، كان يعود اليوم.

كان الجد عادل يتحدث بصوت خفيض، يمزج بين الشوق والمرارة: “عماد كان شغوفًا بهذا المكان، يا فارس. كان يعتبره روحه. لكنه رحل، وأخذ معه شيئًا عزيزًا علينا.” لم يذكر الجد عادل ما هو هذا الشيء، لكن فارس كان يعرف. كانت “ساعة الجيب الذهبية”، إرث العائلة وقطعة أساسية في مسرحية “الزمن الضائع” الشهيرة التي أخرجها عماد قبل رحيله. كانت الساعة معلقة دائمًا في مكتب الجد، لكن مكانها الآن فارغ، تاركًا بقعة باهتة على الخشب.

وصل عماد. كان رجلًا وقورًا، شعره يكسوه الشيب، لكن عينيه تحملان بريقًا قديمًا. احتضن الجد عادل عناقًا فاتراً، لم يمحُ سنوات الغياب. جلسوا في مكتب الجد، وفارس يراقب من زاوية الغرفة، يلاحظ التوتر في الأجواء. قال الجد عادل، وكأن الكلمات تكوي لسانه: “عدت يا عماد. لكن هل عادت الساعة معك؟”

تصلبت ملامح عماد. “أي ساعة يا أخي؟” سأل بصوت خفيض. “ساعة الجيب الذهبية، التي اختفت بعد رحيلك مباشرة!” رد الجد عادل، وارتفعت نبرته قليلًا. “لم آخذ شيئًا يا عادل، وأنت تعلم ذلك.” قال عماد، لكن فارس لاحظ ارتعاشة خفيفة في يده، ونظرة سريعة ألقاها نحو مكان الساعة الفارغ. كان فارس يرى ما لا يراه الكبار.

بدأ فارس تحقيقه الصغير. كان يتسلل إلى مكتب عماد القديم، الذي ظل مغلقًا طوال هذه السنوات. وجد قصاصات ورق قديمة، بعضها مذكرات لعماد، وبعضها ملاحظات لمسرحيات. إحدى الملاحظات كانت تقول: “السر في المشهد الأخير…” وأخرى: “لا تتركها تضيع…” كانت الكلمات ناقصة ومبهمة، تزيد اللغز تعقيدًا. وجد أيضًا صورة قديمة لعماد وهو يمسك بالساعة الذهبية، ويبدو عليها حزن عميق.

في أحد الأيام، سمع فارس جزءًا من حوار بين الجد عادل وعماد. قال الجد عادل: “لقد وثقت بك، يا عماد. وثقت بك أكثر من أي شخص آخر. لكن اختفاء الساعة كسر شيئًا بداخلي.” رد عماد بصوت متهدج: “الثقة ليست سهلة، يا أخي. أحيانًا تكون الأسرار أثقل من أن تُحمل.” كلمات عماد لم تكن إنكارًا صريحًا، بل كانت اعترافًا مبطنًا بثقل ما، مما زاد شكوك الجد عادل، وحيرة فارس.

استمر فارس في البحث. في غرفة تبديل الملابس القديمة، حيث كانت الأزياء التاريخية معلقة، وجد جيبًا سريًا في معطف قديم كان عماد يرتديه في مسرحية “الزمن الضائع”. داخل الجيب، كانت هناك ثلاث رسائل صغيرة، مكتوبة بخط عماد، لكنها ناقصة. الأولى: “السر في المشهد…”، والثانية: “…حتى تعود.”، والثالثة: “…الخزانة القديمة.” كانت هذه الرسائل هي العقبة الحقيقية، فهي تشير إلى الساعة، لكنها لا تقدم إجابة واضحة.

بينما كان فارس ينظف مكتب عماد القديم، الذي كان مهملًا لسنوات، لاحظ وجود لبنة مرتخية في المدفأة العتيقة. دفعها برفق، ليكتشف خلفها تجويفًا صغيرًا. لم يجد الساعة، بل وجد مفكرة جلدية بالية، عليها اسم جدته “فاطمة”. كانت المفكرة قديمة جدًا، تعود إلى سنوات قبل أن يغادر عماد المسرح. قرأ فارس إحدى الصفحات بتلهف. كانت الجدة فاطمة قد كتبت عن ضائقة مالية عصفت بالمسرح، وكيف أنها اضطرت لبيع ساعة الجيب الذهبية الأصلية لإنقاذ المسرح من الإفلاس. لقد استبدلتها بنسخة طبق الأصل، وأخبرت عماد بالسر، وطلبت منه أن يحافظ عليه، لأن الجد عادل كان شديد الكبرياء ولن يقبل هذا التضحية. عماد، الذي كان شابًا حينها، وعدها بأن يعيد شراء الساعة الأصلية يومًا ما. هذا ما حدث قبل سنوات، وهذا ما غير معنى كل شيء.

ركض فارس إلى الجد عادل وعماد، والمفكرة في يده. “الساعة لم تسرق أبدًا!” صاح فارس، وهو يلهث. “جدتي فاطمة باعتها لإنقاذ المسرح!” قرأ فارس بصوت عالٍ ما كتبته الجدة. صُدم الجد عادل، وبدت الدموع تتجمع في عيني عماد. شرح عماد بصوت خافت: “لقد كان سرًا ثقيلًا. لم أستطع أن أخبرك، يا عادل. وعدت أمي أن أحافظ على سرها، وأن أشتري الساعة الأصلية عندما أعود. أخفيت النسخة في مكان لن يعرفه أحد سواي، في انتظار اليوم الذي أتمكن فيه من الوفاء بوعدي.” كانت الرسائل الناقصة هي تذكيراته لنفسه، وإشاراته الخفية التي لم يفهمها أحد.

تذكر فارس إحدى الرسائل: “الخزانة القديمة.” قادهم إلى غرفة تخزين الدعائم القديمة. هناك، بين الأزياء البالية والديكورات المنسية، وقف عماد أمام خزانة خشبية قديمة كانت جزءًا من مشهد “الزمن الضائع” الأخير. فتحها، وداخل صندوق صغير، كانت ساعة الجيب الذهبية، نسخة طبق الأصل، تتلألأ تحت ضوء خافت. لم تكن الساعة الأصلية، لكنها كانت رمزًا لسر عائلي، وتضحية، ووعد لم يُنسَ. احتضن الجد عادل أخاه عماد عناقًا حارًا، عناقًا محا سنوات من سوء الفهم والشك. لم يكن اللغز يتعلق بساعة مفقودة، بل بثقة مفقودة، وبأسرار حُملت بصمت، وبمعنى جديد تمامًا لكل ما حدث. نظر فارس إلى الساعة، ثم إلى أخويه المتصالحين، وفهم أن بعض الأسرار، حتى لو كانت مؤلمة، يمكن أن تجمع القلوب من جديد.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى